محمد بن جرير الطبري

387

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بعضهم : أشد العذاب ، ولو كان معناه لقيل : أسوأ العذاب . فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم ؟ قيل : هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) . وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما : 745 - حدثنا به ابن ا حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : أخبرنا ابن إسحاق ، قال : كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا ، وصنفهم في أعماله ، فصنف يبنون ، وصنف يزرعون له ، فهم في أعماله ، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية ، فسامهم كما قال الله عز وجل : ( سوء العذاب ) . وقال السدي : جعلهم في الأعمال القذرة ، وجعل يقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم . 746 - حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي . القول في تأويل قوله تعالى : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) . قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل - من سومهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم - إليهم ( 1 ) دون فرعون ، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون وعن أمره ، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم . فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه وإن كان عن أمر غيره ، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه ، وإن كان الامر قاهرا الفاعل المأمور بذلك سلطانا كان الامر أو لصا خاربا ( 2 ) أو متغلبا فاجرا ، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون ، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم . فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا ، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله . وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل ، واستحيائهم نساءهم ، فإنه كان فيما ذكر لهنا عن ابن عباس وغيره كالذي :

--> ( 1 ) قوله : " إليهم دون فرعون " متعلق بقوله : " وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل " . ( 2 ) اللص الخارب : الشديد الفساد .